محمد بن أحمد بن إسحاق ابن يحيى الوشاء
144
الظرف والظرفاء
تراهنّ من فرط الحياء كأنّها * مراض سلال ، أو هوى لك نزّف وليس يمكن أن يكون ذلك عندهم كذلك . « [ 116 ] » وقد روي عن النبي ، صلّى اللّه عليه وسلم ، من وجوه شتّى بأحاديث صحّت عن الثّقات ، ونقلت عن الرّواة : « إنّ حبّك للشيء يعمى ويصمّ » « 1 » . وليس بعجب ما قال المجنون وأشباهه من غلبة العشق عليهم ، وقد قال غيره أعظم مما قاله ، وأقطع ، وأجلّ . ولقد رأينا وسمعنا وخبّرنا أن منهم من قتل نفسه غرقا ، وذبحا ، وخنقا ، كل ذلك أسفا وحسرة وتلهّفا . فمن ذلك ما حكى عن شيخ حضر مجلس العتبيّ ، فأخبرهم أنه حضر مجلسا فيه قينة وفتى ، وكان الفتى يهوى القينة وكانت القينة تهوى ابنة الشيخ ، وابنة الشيخ تهوى الفتى ، فغنّت القينة « 2 » : [ من المتقارب ] علامة ذلّ الهوى * على العاشقين البكا ولا سيما عاشق * إذا لم يجد مشتكى فقال لها الفتى : أحسنت ، واللّه يا ستّي ، أتأذنين لي أن أموت ؟ قالت : مت راشدا ؛ فوضع رأسه على الوسادة ، وغمّض عينيه ، فحرّكناه فوجدناه ميتا . قال الشيخ : فخرجنا متعجّبين من ذلك ، وصرت إلى منزلي ، فأعلمتهم ما كان من قصة الفتى ، ونظرت إلى ابنتي ، وقد حاضرت « 3 » ، فدخلت مجلسا لي ، فدخلت وراءها ، فإذا هي متوسّدة على مثال ما كان عليه الفتى ، فحركتها فإذا هي ميّتة ، فغدونا بجنازتها ، وغدوا بجنازة الفتى ، فإذا بجنازة ثالثة ، فسألنا عنها ، فإذا هي جنازة القينة ، وبلغها موت ابنتي ، فصنعت مثل ذلك ، فماتت . فدفنّا ثلاثة بموت
--> ( [ 116 ] ) . . . ( 1 ) الحديث في الجامع الصغير 1 : 568 . ( 2 ) القصة والبيتان في تزيين الأسواق 203 . ( 3 ) لعلها : وقد حضرت . وحاضرت أي أجابت بما حضرها .